بعد حياة حافلة بخدمة الرب زُفَ إلي السماء في موكب الأبرار وصفوف القديسين الدكتور جرجس عبد المسيح إبراهيم، يوم السبت 4 مارس 2006. وذلك بمدينة كليروتر بفلوريدا. الدكتور جرجس هو رئيس رابطة القديس مرقس الأرثوذكسية، وعضو الهيئة المشرفة على تحرير هذه المجلة.

طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً. فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِيِِ الْمِيَاهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ

 

            الدكتور جرجس شجرة وارفة في كرم الرب، كثيرون جدا فاءوا بظلها، فأمطرتهم بوافر ثمرها الحلو ونفحتهم من نسمة أريجها، رائحة المسيح الذكية. كان ناموس الرب لذة نفسه يهذ فيه نهارا وليلا فصيَّره شجرة، آوت طيور السماء، فوجدت فيه موضع الراحة، حيث فيه أيضا يسكن الرب. سرت من نسمة روحه الوديع المحملة بثمرات الروح القدس روح البهجة والخلاص.

            الدكتور جرجس مربي وقائد تتلمذ عليه أجيال فحمل نير المسيح منذ صباه. بدأ خدمته في منتصف الأربعينات بمدارس الأحد بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، ثم تسلم أمانة خدمة مدارس الأحد بالكنيسة البطرسية ثم كنيسة العذراء والأنبا رويس بالعباسية، وعمل كعضو بلجنة كاتدرائية مار مرقس بالأنبا رويس قبل هجرته إلى أمريكا عام 1969. لقد تتلمذ على يديه الكثير من الأساقفة منهم نيافة الأنبا موسى والأنبا تادرس مطران بور سعيد ومئات من الكهنة والرهبان. لقد كانت مهابة الروح القدس تجلله فقاد الخدمة بسلاسة وقوة في وداعة. كان منظما وملتزما، أكسبته محبة المسيح مرونة واقتدارا.

الدكتور جرجس تلميذ مجتهد ومخلص للكتاب المقدس منذ كان طالبا صغيرا حتى آخر أيامه. فكان يُكَرِّس له في كل يوم الوقت الكافي للدراسة الجادة. فملأت دراساته كثير من الكراسات التي يلزم لجمعها مجلدات كبيرة. أتمنى لو أري اليوم الذي يمكن جمع وطبع كل كتاباته وتأملاته المفيدة. وكلها عن الكتاب المقدس الذي كان ينهل من مياهه الحية روحا محييا.

الدكتور جرجس معلم ومرشد دل كثيرين لطرق الرب عن خبرة. تعليمه يقوم على معرفته بالكتاب المقدس ودرايته بسر طاعة الوصية. لم يكن تعليمه ينبع عن خلفية علمية معرفية، بقدر ما كان عن خبرة روحية عملية. لذلك كان لتعليمه ودراسته للكتاب أثر قوي وفائدة جمة فعالة. لقد ختم تعليمه بدراسة سفر إشعياء الذي لم يكمله. عندما سأله المستمعون عن السفر القادم الذي سيقدمه لهم أجاب سنكمل إشعياء في السماء. وفعلا بلغ في شرحه إلى إصحاح 61 حيث ختمه قائلا " الأجنحة التي يطير بها الإنسان ويدخل للسماء هي التواضع".

الدكتور جرجس كاتب له أسلوب خاص يجمع بين البساطة والعمق فكانت كتاباته انعكاسا لطبيعته الخيِّرة التي تمارس عمل الرب في جدية وصلابة. كتاباته عملية، فبقدر ما فيها من نقد بقدر ما فيها من رجاء وتشجيع. إنه لا يكتب للكتابة بل عندما تفيض روحه بالماء الحي، يقدم من غنى عطايا الروح فيضا خصبا ومخصبا. كتب في مجلة مدارس الأحد منذ أربعينيات القرن العشريين ثم في مجلة مرقس. نشرت مجلة كلمة الحياة له مقال بعنوان "نريد أن نرى يسوع". كما بدأنا نشر دراسته لرسالة القديس بطرس الأولى.

الدكتور جرجس أستاذ جامعي ورجل مجتمع حلو الحديث، أسعد الكل بمجلسه. فبالرغم من أنه لا ينزل عن مستواه الروحي تحت أي ظرف، فإن سلوكه البار لا يجرح شعور أحد. وهو لا ينعزل عن الجماعة أو يتعالى ببره، لكن في تصرفه الوديع يعمل الحق فيظهر بر الله معمولا به، كنور آسر للنفوس ومُشجعا للجميع، لا بكلام وعظي بل بسلوك تلقائي محب وقدوة بسيطة.

الدكتور جرجس زوج محب حبيب وأب صديق لأولاده وأحفاده. نطلب من الرب لنفسه نياحا ولكل ذويه ومحبيه عزاء الروح القدس.

إننا نفتقدك اليوم يا دكتور جرجس كمثل أعلى عز وجوده. السماء تفرح بمقدمك. أطلب من الرب من أجل هذه الخدمة. صلي من أجلنا  لكي يغفر الله لنا خطايانا.

م. فؤاد نجيب يوسف

من مجلة كلمة الحياة ربيع 2005